ابراهيم بن عمر البقاعي
145
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
الطير فلا تعينونا ، وإن رأيتمونا هزمناهم فلا تشركونا في الغنيمة ، وانضحوا الخيل عنا إذا أتت من ورائنا » وبرز صاحب لواء المشركين وطلب المبارزة ، فبرز إليه رجل من المسلمين فقتله المسلم فحمله آخر وبرز فقتل ، وفعلوا ذلك واحدا بعد واحد حتى تموا عشرة كلهم يقتل ، فلما انكسرت قلوب المشركين بتوالي القتل في أصحاب اللواء أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أصحابه فشدوا فهزموا المشركين وخلوا عسكرهم ونساءهم ، وكانت الخيل كلما أتت من وراء المسلمين نضحهم الرماة بالنبل فرجعوا ، فلما وقع الصحابة رضي اللّه عنهم في نهب العسكر خلى الرماة ثغرهم ، فنهاهم أميرهم وحذرهم مخالفة أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلم يطعه منهم إلا نحو العشرة ، فأتى أصحاب الخيل فقتلوا من بقي من الرماة ، ثم أتوا الصحابة رضي اللّه عنهم من ورائهم وهم ينتهبون ، فأسرعوا فيهم القتل ونادى إبليس : إن محمدا قد قتل ، فانهزم الصحابة رضوان اللّه عليهم ، ولم يثبت مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم منهم إلا قليل ما بين العشرة إلى الثلاثين - على اختلاف الأقوال ، فاستمر يحاول بهم العدو ، واللّه تعالى يحفظه ويدافع عنه حتى دنت الشمس للمغرب ، وصرف اللّه العدو ، فدفن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الشهداء وصف أصحابه رضي اللّه عنهم فأثنى على اللّه عز وجل ثناء عظيما ، ذكر فيه فضله سبحانه وعدله ، وأن الملك ملكه يتصرف فيه كيف يشاء ، ورجع إلى المدينة الشريفة وقد أصابته الجراحة في مواضع من وجهه بنفسي هو وأبي وأمي ووجهي وعيني « 1 » . ولما كان رجوع عبد اللّه بن أبي المنافق - كما يأتي في صريح الذكر آخر القصة - من الأدلة على أن المنافقين فضلا عن المصارحين بالمصارمة متصفون بما أخبر اللّه تعالى عنهم من العداوة والبغضاء مع أنه كان سببا في هم الطائفتين من الأنصار بالفشل كان إيلاء هذه القصة للنهي عن اتخاذ بطانة السوء الذين لا يقصرون عن فساد في غاية المناسبة ، ولذلك افتتحها سبحانه وتعالى بقوله - مبدلا من إِذْ غَدَوْتَ دليلا على ما قبله من أن بطانة السوء لا تألوهم خبالا وغير ذلك - : إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ وكانا جناحي العسكر مِنْكُمْ أي بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس أَنْ تَفْشَلا أي تكسلا وتراخيا وتضعفا وتجبنا لرجوع المنافقين عن نصرهم وولايتهم فترجعا ، كما رجع
--> ( 1 ) هذه القصة ذكرها بطولها السيوطي في الدر 2 / 120 و 121 ( آل عمران : 121 ) نسبها إلى ابن إسحاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن شهاب ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو وغيرهم كل حدث بعض الحديث عن يوم أحد قالوا : . . . فذكره بطوله . - ولبعضها شاهد في الصحيح عند البخاري برقم 3039 و 4043 من حديث البراء بن عازب .